عبد الملك الثعالبي النيسابوري
327
يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر
فصل - إن للشبان نزوة ، وللأحداث رقة . ولكن يربعون إذا جاءت الأربعون . ويفزعون ، وإن كانوا لا يجزعون ، ولقد نظرت في المرآة فرأيت الشيب يتلهّب وينهب ، والشباب يتأهّب ويذهب ، وما أسرج هذا الأشهب ( 1 ) إلا لخبر ، وأسأل اللّه عاقبة خير . فصل - أجدني قد اكتهلت ، والكهل قبيح به الجهل ، ولاحت الشعرات البيض ، وجعلت تفرّخ وتبيض . فصل - جزى اللّه المشيب خيرا فإنه أناة ، ولا رد الشباب فإنه هنات ، وبئس الداء الصبا وليس دواؤه إلا انقضاؤه ، وبئس المثل النار ولا العار ونعم الرائضان الليل والنهار . أظن الشباب والشيب لو مثلا لمثل الأول كلبا عقورا ، والآخر شيخا وقورا ، ولا شتعل الأول نارا والآخر نورا ، فالحمد للّه الذي بيّض القار « 1 » ، وسماه الوقار ، وعسى اللّه أن يغسل الفؤاد كما غسل السواد ، إن السعيد من شابت جملته ، ولم تخص بالبياض لحيته . فصل من تهنئة بمولود حقا لقد أنجز الإقبال وعده ، ووافق الطالع سعده ، والشأن فيما بعده ، وحبذا الأصل وفرعه ، وبورك الغيث وصوبه ، والروض ونوره ، وسماء أطلعت فرقدا ، وغابة أبرزت أسدا ، وظهر وافق سندا ، وذكر يبقى أبدا ، ومجد سمى ولدا ، وشرف لحمة وسدى . فصل - كتابي من هراة ولا هراة فقد طحنتها هذه المحن كما يطحن الدقيق ، وقلبتها كما يقلب الرقيق . وبلعتها كما يبلع الريق ، [ والحمد للّه على المكروه والمحبوب وصلواته على نبيه وآله ] وقد خدمت الشيخ سنين ، واللّه لا يضيع أجر
--> ( 1 ) بيّض القار : يعني جعله شعره أبيض بعد أن كان أسود ، والقار : القطران .